أبي طالب المكي
268
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
اتقى الشرك والجهل والهوى ، فعمله مرفوع في الخزائن مدّخر له الجزاء وحقيقة الإخلاص سلامته من وصفين ، وهما : الرياء والهوى ، ليكون خالصا كما وصف الله تعالى الخالص من اللبن . فكان بذلك تمام النعمة علينا . فقال : * ( من بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَناً خالِصاً ) * [ النحل : 66 ] ، فلو وجد فيه أحد الوصفين من فرث أو دم لم يكن خالصا ، ولم تتم النعمة به علينا ولم تقبله نفوسنا . فكذلك معاملتنا لله عزّ وجلّ إذا شابها رياء بخلق أو هوى من شهوة نفس ، ولم تكن خالصة لم يتم بها الصدق والأدب في المعاملة ولم يقبلها الله تعالى منّا فاعتبروا . وروينا عن سعيد بن أبي بردة عن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري : أنه من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس ، ومن تزيّن للناس بما يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله تعالى . فما ظنك ؟ وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز : اعلم يا عمر أنّ الله تعالى عون للعبد بقدر النية ، فمن تمّت نيته تم عون الله تعالى إياه ، ومن قصرت عنه نيته قصر عنه من عون الله تعالى بقدر ذلك . وقد قال الله تعالى في تصديق ذلك : * ( إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُما ) * [ النساء : 35 ] ، فجعل سبب التوفيق إرادة الإصلاح ، فذلك هو أول التوفيق من الموفق المصلح للعامل الصالح . وقال بعض السلف : رأيت الخير إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيرا وإن لم ينصب ربّ عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبر تصغره النية . وكتب بعض الأدباء إلى أخيه : أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل . وقال داود الطائي : من أكبر همه التقوى لو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة . فكذلك الجاهل بالله تعالى وأيامه همه الدنيا والهوى ، ولو تعلقت جوارحه بكل أعمال الصالحات لكان مرجوعا إلى إرادة الدنيا وموافقة الهوى ، لأن سرّها كان همه النفس لعاجل عرض الدنيا . وقال محمد بن الحسين : ينبغي للرجل أن تكون نيته بين يدي عمله . وقال أيوب السجستاني وغيره : تخلص النيّات على العمّال أشدّ عليهم من جميع الأعمال . وقال الثوري : كانوا يتعلمون النية للعمل كما يتعلمون العلم . وقال بعض العلماء : طلب النية للعمل قبل العلم وما دمت تنوي الخير فأنت بخير . وقال زيد بن أسلم : خصلتان هما كمال أمرك تصبح ولا تهمّ لله تعالى بمعصية وتمسي ولا تهمّ لله تعالى بمعصية . وكذلك قال بعض السلف في معناه : إنّ نعمة الله تعالى أكثر من أن تحصوها وإنّ ذنوبكم أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توّابين وأمسوا توّابين يغفر لكم ما بين ذلك . وروينا في الخبر عن بعض المريدين : أنه كان يطوف على العلماء يقول : من يدلَّني